جميل أن يكرّم مسؤول عربي أسرة أي عمل درامي مميز، ويقدّر الجهود التي تنتج عملاً فنياً يتناول قضية مجتمعية مهمة، ويقدمها بشكل يليق بها، وبأسرة العمل.. والمتلقي.
والأجمل.. أن يصبح هذا التكريم، وذلك التقدير، عادة، لا من قبل المسؤولين العرب فحسب، بل ومن قبل الهيئات المعنية بأمور الفن والدراما، وغير المعنية بها بشكل مباشر، شريطة أن ينطلق هذا العمل الفني، أو ذاك، من بيئته، يتلمس قضاياها.. ويسهم في إيجاد حلول لمشكلاتها، من خلال التركيز على موطن الخلل، ومواجهته بجرأة، رضي المسوقون لهذا الخلل، والمستفيدون منه، أم غضبوا.
وشريطة أن ينطلق التكريم أيضاً من دوافع فكرية تعزز دور الفن الجاد، وتحفزه على القيام بدوره بحرية أوسع، وعرقلة أقل.
من هذا المنطلق ننظر إلى تكريم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لبعض الفنانين على دورهم في مسلسل “ما ملكت أيمانكم” الذي تناول الفساد الاجتماعي والسياسي بجرأة، وأدان استثمار الدين كغطاء لهذا الفساد، فتعرض لموجات متعددة من النقد والتشكيك، وصلت في بعض جوانبها إلى حد التجريح والتكفير والاتهام.
ولم يقتصر الهجوم على بعض الأصوليين والسلفيين، بل ساهمت فيه تيارات سياسية واجتماعية رأت في العمل ما يضر بمصالحها، ويكشف خباياها، فحاولت بكل الوسائل أن تعرقل إنجاز العمل، ومنع عرضه بعد إنجازه، ولم توقف هجومها عليه خلال عرضه أو بعده، لدرجة دفعت بالبعض إلى إرجاع توقف هطول المطر هذا العام إلى عرض هذا العمل!
ولكن هطول الثلوج بشكل لم تره البلاد منذ عشرين عاماً، كان له رأي آخر.
ومع أنني أشعر بسعادة لأنني ساهمت بإنجاز عمل كبير سلط الضوء على ما يتربص بنا، إلا أنني أتساءل عن دوافع السيد محمود عباس لتكريم بعض الفنانين المشاركين في هذا العمل.
هل اعتبره يخدم القضية الفلسطينية مثلاً؟
المسلسل لم يتناول هذه القضية، في حين تم إنجاز، وعرض العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي تناولت قضية فلسطين، ونجحت في تقديمها كما ينبغي لها أن تقدم، ولم نسمع أن رئيس السلطة الفلسطينية هلل لهذه الأعمال، أو كرّم أسرة هذا العمل أو ذاك تكريماً مادياً أو معنوياً.
فهل أراد السيد عباس أن يسقط بعض خطوط هذا المسلسل على بعض خصومه السياسيين من فصائل المقاومة الفلسطينية، وحماس خصوصاً، ليوهم البعض أنها المستهدفة في النقد، فيحملها، وحدها، مسؤولية الخلل الناجم عن الفساد على الساحة الفلسطينية الرسمية؟!
وهو الاتجاه الذي لم يذهب إليه المسلسل الذي واجه الفساد كحالة موجودة في غير مكان من وطننا.
رئيس السلطة الفلسطينية حر فيما يقول، وبما يفعل، وبمن يكرم.
ولكن ألا يجدر بالفنانين الذين قبلوا التكريم، والذين فرحوا به، أن يفكروا قليلاً بدوافع هذا التكريم، وأبعاده الاجتماعية والسياسية، قبل قبوله، أو الاعتذار عنه؟!
على ما يبدو أن بعض الأخوة الفنانين بحاجة إلى قراءة معمقة لواقعنا من كافة جوانبه.
ولكم تمنيت أن يعيد المكرمون جوائزهم إلى رئيس السلطة الفلسطينية، لعله يقدمها إلى أطفال غزة المحرومين من كل شيء بفضل رحمة الأقارب.. والأباعد.
عصام الداهوك . كل شي سوري
عدد مرات القراءة :671

