أبو صطيف (سابقا) صفا (حاليا) مثقف ثوري، داهمت الثورة روحه وكان صغيرا، ولكن الثقافة انضمت إلى ثوريته مؤخرا، وكانت رواية سبارتاكوس

أول ما قرأه بعد الجرائد وما كان يقع في يده من بيانات استنكار وتضامن وغيرها لكي يوقع عليها، ولكي يقنع صديقه أبو جاسم، غير المثقف وغير الثوري، بأفكاره الثورية التي كان ينظر إليها أبو جاسم دائما كـ (قلة عقل) وإلى حاملها كـ (قليل عقل) هو الآخر، وبسبب تأثره بالرواية، فقد قرر أن يعطيها لأبي جاسم  لعله يدرك ما الذي  تعنيه كلمة ثورة.

بعد أن رفض أبو جاسم أخذ الرواية من أبو صطيف، واعتذر عن قراءتها، عاد وتراجع عن قراره عندما اتهمه أبو صطيف بالجهل، رغبة بالتحدي أكثر منها رغبة بالقراءة.

لم يندم أبو جاسم على ما فعل، فقد شعر بمتعة حقيقية وهو يقرأ الرواية، لدرجة أنه نسي أن يتناول طعامه، ولم يفرض عليه ترك الرواية قبل أن ينتهي من قراءتها، إلا الصداع الذي أصابه بعد الثانية ليلا بسبب السكائر الكثيرة التي عفرها في غرفته التي تنقصها التهوية، أثناء معاناته مع سبارتاكوس، ولكنه ما إن فتح عينيه صباح اليوم التالي حتى تناول الرواية وتابع قراءتها حتى النهاية معفرا ما تبقى في علبته من سكائر.

بعد الظهر التقى بأبي صطيف الذي شاهد الرواية أمامه على الطاولة وسأله بلهجة الظافر

-كيف ؟

تناول أبو جاسم الرواية وأعطاها لأبي صطيف

-شكرا.. ممتازة.. ممتعة جدا..

ثم أضاف والتأثر باد على وجهه

-لكن سبارتاكوس غشيم

لم يعجب هذا التعليق أبا صطيف فتساءل

-أف.. لماذا؟

-لماذا فعل كل ذلك.. ما الذي يريده؟

وشرح أبو صطيف الموقف موضحا أن سبارتاكوس فعل كل ذلك لكي يحصل على حريته، فسأله أبو جاسم

-لماذا؟

ارتسمت ملامح العجب على وجه أبو صطيف لهذا السؤال الذي لم يجد تفسيرا له

-كيف لماذا.. لكي يصبح إنسانا حرا، من يكره الحرية؟

-أنا أكرهها.. وأتمنى لو كنت عبدا

أجاب أبو جاسم دون تلكؤ، بينما أصيب أبو صطيف بالصدمة

-معقول؟!! لماذا؟

-سأشرح لك لماذا.

قال أبو جاسم وفكرا قليلا بحثا عن المبررات المقنعة التي سرعان ما وجدها

-لنفترض أن سبارتاكوس حصل على حريته.. ما الذي كان سيحصل؟

-لا أدري

-أنا أدري.. رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب.. في أحسن الأحوال سيوظفونه آذنا في مدرسة.. ما الفائدة من كل هذه الثورة؟

- ليس من الضروري أن يحصل كما تقول.. سيتعلم سبارتاكوس ويحصل على الشهادة الابتدائية حر..

- وبعد ذلك؟

-سيتعلم ويقدم الإعدادية حر..

-يا سيدي .. حصل على البكالوريا حر، ولأجل عينيك حصل على الدكتوراه.. ماذا بعد ذلك؟

-يتوظف مدرسا في الجامعة

-أي أنه سيصبح موظفا؟

-نعم..

-هل اقتنعت أنه لا فائدة من كل ما فعله سبارتاكوس الآن؟

لم يتمكن أبو صطيف تحمل هذا الإجحاف الكبير بحق سبارتاكوس وسأل بنبرة لا تخلو من الغضب:

-ما هذا الهراء.. ألا يوجد فرق برايك بين العبد والموظف

وهنا رد أبو جاسم بثقة كبيرة في نفسه

-يوجد فرق.. فرق كبير.. العبد يعمل بأكله… هل فهمت الفرق الآن؟

ثم صمت أبو جاسم، أما أبو صطيف فلم تسعفه ثوريته ولا ثقافته على استيعاب الاكتشاف الذي توصل إليه أبو جاسم، وعاش بقية عمره فاغرا فاه، فيما يشبه الصدمة.

كل شي سوري

عدد مرات القراءة :1190

موضوعات مشابهة

مشاركة

عن الكاتب

محرر كل شي سوري

(0) تعليق

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

Adult Toy Store